حسن حنفي

35

من العقيدة إلى الثورة

في كل مجتمع سلطة ومعارضة ، قاهر ومقهور ، أغنياء وفقراء ، علية ودهماء ، أقلية مسيطرة وأغلبية مقهورة ، ظهر النقل نقلين . كل فريق يبتسر من النقل ما يتفق معه في مجتمعه ، النقل فيه حجة وسلطة وهو مصدر للشرعية والطاعة . وما أسهل اتهام كل فريق بسوء التأويل أو سوء الفهم للآيات واستعداء النصوص على المواقف الفكرية التي تعبر عن المواقف السياسية أي استعداء السلطة على الخصوم وخاصة وأن السلطة السياسة هي الحارس للسلطة الدينية وأن سلطة الحاكم هي الحارس لسلطة الكتاب والمستمدة منه . والنصوص متشابهة خاصة فيما يتعلق بالمتشابهات تعبيرا عن هذا الموقف الاجتماعي المزدوج واعطاء كل فريق حقه في النضال السياسي والاحتكام إلى السلطة الشرعية . فإذا ما أعطى في بعض النصوص المتشابهة الأولوية للفعل الإلهي على الفعل الانساني فإنما يكون ذلك تأدبا وتأكيدا للحق النظري الشرعي لله . كما أنه يكون في سياق خاص تدعيما للمعارضة وتشجيعا لها وتقوية لحقها ورفعا لمعنوياتها حتى لا يقع الفعل الانساني تحت منظور قصير فيصاب باليأس والتشاؤم والاحباط . فلا تخرج الآيات من سياقها أي من « أسباب النزول » . وقد نزلت أمثال هذه النصوص في مجتمع ديني في أول عهد الناس بالرسالة دفعا للايمان ، وتأكيدا للألوهية كعامل نصر فريد ليس له وجود عند الآخر في مرحلة الفتح وليس تدعيما لفريق ضد فريق داخل المجتمع الجديد ، وليس نصرة للسلطة على حساب المعارضة بعد قيام الدولة « 65 » .

--> ( 65 ) مثلا تستعمل آيات لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ، لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ، وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ، وهذا لا يفيد الجبر بل يفيد التعود والتأكيد على خصوصية الفعل الانساني والواقع البشرى . فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً . ولا يعنى ذلك الجبر لان الآية شرطية بحرف « من » والأولوية في الشرط للفعل الانساني ، فالفعل الانساني هو فعل الشرط والفعل الإلهي هو جواب الشرط . وكذلك آيات مماثلة كلها شرطية مثل وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ . ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ، وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ، وَلَوْ